القرطبي

184

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : وعلى هذا القول تكون اللام في " لتجزى " متعلقة ب‍ " - أخفيها " . وقال أبو علي : هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد ، ومعنى " أخفيها " أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها كخفاء الأخفية [ وهي الأكسية ] ( 1 ) والواحد خفاء بكسر الخاء [ ما تلف به ] ( 1 ) القربة ، وإذا زال عنها سترها ظهرت . ومن هذا قولهم : أشكيته ، أي أزلت شكواه ، وأعديته أي قبلت استعداءه ولم أحوجه إلى إعادته . وحكى أبو حاتم عن الأخفش : أن " كاد " زائدة مؤكدة . قال : ومثله " إذا أخرج يده لم يكد يراها " ( 2 ) [ النور : 40 ] لان الظلمات التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه . وروى معناه عن ابن جبير ، والتقدير : إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . وقال الشاعر : ( 3 ) سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه * فما إن يكاد قرنه يتنفس أراد فما يتنفس . وقال آخر : وألا ألوم النفس فيما أصابني * وألا أكاد بالذي نلت أنجح معناه : وألا أنجح بالذي نلت ، فأكاد توكيد للكلام . وقيل : المعنى " أكاد أخفيها " أي أقارب ذلك ، لأنك إذا قلت : كاد زيد يقوم ، جاز أن يكون قام ، وأن يكون لم يقم . ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب . قال اللغويون : كدت أفعل معناه عند العرب : قاربت الفعل ولم أفعل ، وما كدت أفعل معناه : فعلت بعد إبطاء . وشاهده قول الله عزت عظمته : " فذبحوها وما كادوا يفعلون " ( 4 ) [ البقرة : 71 ] معناه : وفعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم . وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بأكاد . وقيل : معنى . " أكاد أخفيها " أريد أخفيها . قال الأنباري : وشاهد هذا قول الفصيح من الشعر : كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى معناه : أرادت وأردت . وقال ابن عباس وأكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي : إن المعنى أكاد أخفيها من نفسي ، وكذلك هو في مصحف أبي . وفي مصحف ابن مسعود : أكاد

--> ( 1 ) من ك وز . ( 2 ) راجع ج 12 ص 283 فما بعد . ( 3 ) هو زيد الخيل . ( 4 ) راجع ج 1 ص 452 فما بعد .